نَـشرة تِشرين الأوّل 2021

صَلّوا لِربِّ الحصاد لكي يُرسِلَ فَعَلَةً لِحَـصادِهِ (متى 9/ 38)

متى 9/ 33-38

وما إنْ خرجا حتى أتَـوه بأخرسَ مَمسوس. فلما طَرد الشيطان تكلّم الأخرس، فأٌعجِـبَ الجُموع وقالوا: «لم يُـرَ مثلُ هذا قَـطّ في إسرائيل!». أما الفريسيون فقالوا: «إنه بِسيّدِ الشياطين يطردُ الشياطين».

وكان يسوع يَجول في جميعِ المدن والقُرَى يُعلِّمُ في مَجامعِهِم ويُعلن بشارةَ الملكوت ويشفي الناس من كل مَرَضٍ وعِلّة. ورأى الجموع فأخذَته الشَّـفَـقة عليهِم، لأنهم كانوا تَعِـبين رازِحين، كغَـنمٍ لا راعِيَ لها. فقال لتلاميذِهِ: «الحَـصاد كثير ولكنَّ العَمَلة قليلون. فاسألوا إذًا ربَّ الحَصاد أن يُرسل عَمَلةً إلى حَصادِه».

هذا النَّصُّ من إنجيلِ القديس متّى يَسبِق مباشَرةً إرسالَ يسوع الأوّل تلاميذِهِ لأجلِ الرسالة، مُعطِيًا إيّاهُم «القُدرة على الأرواحِ النَّجِسة لِطَردِها ولِشِفاءِ كُلِّ عِلّةٍ وكُلِّ مَرَضٍ» (متّى 10/ 1). فلنَتركْ جانبًا الجُزءَ الأوّل: طردَ الشياطين من الممسوسِ الأخرس، الذي بعد طردِ الشيطان منه بدأ يتكلم… وعَـدَمَ الفَهم والحَسد مِن قِـبَـلِ الفرّيسيّين غيرِ القادرين على التوبة أمام علامةٍ فائقة للطبيعة كهذه… بينما الناس تعجّبوا وقالوا «لم يُـرَ مثلُ هذا قَـطّ في إسرائيل». يكفي القول إنَّ معجزة يسوع هذه، التي يُظهِرُ فيها قُدرَتَهُ على الشياطين، تُحَضِّرُ إرسالَ الرُّسُلِ الذي تَلاها، والذي من أجله يَنقِـل يسوع لهم قُدرَتَهُ على طردِ الشياطين وعلى الشفاء. وهي قُدرةٌ بواسطةِ الرُّسُلِ – خصوصًا في تَوصيلِ الكهنوتِ الكاثوليكِيّ – تمتلكها الكنيسة أيضًا اليومَ وكذلك خُدّامُها.

إنَّ ما يُهِمُّنا بالأكثر هو الجُزءُ الثاني من النصِّ، والذي فيه كان يسوع يسير في القُرى والمجامع يشفي كُلَّ عِلّةٍ وكُلَّ مَرَضٍ (وهي القُدرة التي سيَمنحُها للرُّسُلِ أيضًا كما في باقي النَّصِّ)، وأخذَته الشفقة على الناس الذين كانوا تَعِبين رازِحين، لأنّهم كانوا كَغَنَمٍ لا راعيَ لها. ويأمر بأن يُصَلَّى لِله لكي يَصنعَ فَعَلَةً في حصادِ الرَّبِّ، أيْ أن يرسِلَ خُدّامًا في حقلِ العالم، كي يَعملوا من أجل خيرِ الأنفس.

هذا النَّصُّ يُحَدِّثُنا إذًا عن أوّلِ الأعمالِ الرسوليّة الخاصّة بالدعوات الذي يجبُ القيام به، الذي عَلَّمَنا يسوع نفسُه إيّاه وأمَرَنا بالقيام به: الصلاة من أجل الدعوات، الصلاة لِرّبِّ الحصاد (الله) لكي يُرسل فَعَلَةً للعمل في حَصادِهِ. بِهذا الأمر يؤكِّدُ لنا الرَّبُّ أيضًا على فاعليّة هذه الصلاة، لأنّها صلاة من أجل خيرِ الكنيسة وخيرِ الأنفُس، صلاةٌ يسمعها هو دائمًا. ولكن لِنُحَلِّـلِ النَصَّ أكثر.

– يسوع يُشفِق على الناس… لأنّهم كَغَنَمٍ بدون راعٍ. إنَّ شفَـقة يسوع هي التي جعلَـته يتجسّد، أن يصير إنسانًا، لكي يأتي لفِداءِ البشر. هذه الشفقة يُغَنّيها زكريا أبو القديس يوحنا المعمدان بِشَكلٍ جميلٍ في صلاةِ التسبحة الخاصة به، عندما وُلِد سابقُ يسوع: «بِـأحشاء رحمةِ الله، سوف يَـفـتـقــدُنا شمسٌ يولَد من العُلى… مُخَلِّصٌ قدير»؛ أحشاءُ رحمة الله، الذي هو مَحَبّة، كما يُعَلِّمُ القديس يوحنا في رسالتِه الأولى. «الله محبّة».

– بِحُبِّ اللهِ الحميم هذا، فإنَّ أوّلَ مَن أُرسِلَ لرعايةِ الخِراف وتوجيهِها نحو مَـراعي السماء الأكيدة، كان يسوعَ نفسَه. هو قد أتى كراعٍ للخراف، « كَــراعٍ كبير» مِثلما يَدعوه القديس بطرس. وقد أظهر لنا كيف يكونُ المَـرءُ راعيًا صالحًا: بإعطاءِ الحياة من أجلِ الخِراف. وهو سيقول فيما بعد: أنا الراعي الصالح. الراعي الصالح يَـبذِل حياتَه من أجلِ الخراف. ويُعطيها بِحُرِّيّة: لا يَـنتزعها مِــنّي أحدٌ، بل أنا أُعطيها بنفسي. لديَّ القُدرة على إعطائها والقُدرة على استعادتِها. يُظهِرُ هكذا أنَّ الحُبَّ الأعظم هو الحُبُّ الذي يصل إلى درجةِ الموت من أجل مَن يُحِبُّهُم. وهو يقول بعد ذلك في العشاءِ الأخير: لا يوجد حُبٌّ أعظم مِن بَـذلِ الحياة من أجل الأَحبّاء

– هذا الراعي الصالح – الذي أُرسِلَ مِن أبيه لِـيُـضّـحّي بِـحياتِه من أجلنا – يريد أن يقوم آخَـرون بِمِـثلِ ما فعل هو. يريد أن يُشاركَ آخَرون في رسالتِه الفادية نفسِها. لذلك يختار، ويُنادي. ويختار دائمًا، ويُنادي دائمًا لكي لا يَـنقُـص في كنيستِه الرُعاةُ الصالحين، المُستعدون لبَذل الحياة من أجل الخراف. لقد اختار الرُّسُلَ أوّلاً، وتلاميذَ آخَـرين، وأرسلهم قائلاً: «كما أرسلني الآب، هكذا أنا أُرسِلُكُم». أيْ إنّه يُرسلنا مُعطيًا إيّانا كُلَّ ما هو ضروريّ للرسالة، كما أنّ الآبَ قد أعطاهُ هو كُلَّ ما هو ضروريّ للرسالة منذُ الولادة الأزليّة للكلمة؛ ولكنّه أيضًا يُرسلنا للغرض ذاتِه: لِلتعليم ولِصُنع الخيرِ للجميع. كما أنّه  قد أَعطانا الطّريقة المُحَدَّدة: أنّنا مُرسلون على النحو ذاتِه مِثـلَـه، أي لإعطاءِ الحياة من أجل الخراف.

كم هي كبيرة دعوةُ الكهنة! هي مَـدٌّ لِرسالة يسوعَ نفسِها… لا مُنفَصِلةً عن يسوع، بل بالاشتراك في كهنوتِه الأوحد! وهو كهنوتٌ فَعّال من أجل غفران خطايا العالم. لذلك فإنَّ الكاهن – عندما يقوم بالأمور الكُبرَى التي يقدر هو فقط أن يَـفعلَها (الاحتفال بالقداس وحَـلُّ الخطايا) – فإنّه يَـنطِق بالكلمات مِن مَنظورِ الشّخصِ المُـتـكـلِّم، على أنّه قد جُعِلَ ذاتَ الشيء هو ويسوع: هذا هو جسدي الذي أُسلِــمَ من أجلِكم / هذا هو دمي المُهرَق من أجلِكم / أنا أَحِـلُّـكَ من خطاياك.

– وهكذا، فبواسطةِ الكهنة يُديمُ يسوع تَواجدَه الكهنوتيّ في الكنيسة. وأيضًا في كُلِّ مُعَمَّدٍ، لِـكَونِهِ عُضوًا منه هو وجُزءًا من جسدِه ومن شعبِه الكهنوتيّ. لكنَّ الكاهنَ المُرتَسِم يشترك في وظيفةِ المسيحِ الرأس، المسيحِ الرأس الذي منه تَنبثقُ النعمة لِكُلِّ الجسد السِّرِّيّ. يا لها مِن دعوة رائعة! بواسطةِ الكهنة يكون يسوع كقربانٍ يُقَدِّمُ ذاتَهُ على مذابحِـنا، وكغِذاءٍ يُعطينا إيّاه في التّـناوُل، ولِغُفران الخطايا. وله قُدرةٌ أيضًا على شفاء كُلِّ عِلّةٍ وكُلِّ مَرَضٍ روحيّ – كما يقول إنجيلُ القديس متّى – والقُدرة على طرد الشيطان.

يا لها مِن دعوةٍ رائعة تُحارَب بِـضَـراوة في أيّامنا! لأنَّ العَدُوَّ يَعلم أنّه لا يقدر على شيءٍ ضِدَّ قُدرةِ الكهنة، لأنَّها قُدرةُ المسيح ذاتُها. بالتالي فإنّه يفعل كُلَّ شيءٍ لإبعادِ الناس عن الكاهن… بواسطة الافتراء والتَّـشهير وتشويهِ السُّمعة… يكفي فَـتحُ جريدةٍ أو الاستماع لِمَحَطَّةِ راديو لمُلاحظة ذلك!

ومع ذلك، فَـكَم إنّ الكاهن عظيمٌ! الكهنة القديسون هُم زهرةُ الإنسانِيّة، وفاعلو الخيرِ العِظام للإنسانِيّة، الذين يُقَدِّمون ذواتِـهِـم بِصَمتٍ من أجل خلاصِ الأنفُس. عَسى الله أن يُرِيدَ إرسال كهنة قديسين كثيرين إلى كنيستِه. ومن أجل ذلك علينا أن نُصَلّي كثيرًا، بحسب أمرِ الرَّبّ: صَلّوا إلى رَبِّ الحَصاد لكي يُرسلَ فَعَلَةً أكثرَ لحَصادِهِ. هذا هو العملُ الرَّعَوِيّ الخاص بالدعوات الأوّلِيّ والأساسيّ بِالدّرجة الأُولَى! لأنَّ مَن يُرسِـلُ الفَعَلة إلى حَـصادِهِ هو الله: هو فقط يُنادي، وعلينا أن نطلبَ منه هذه النعمة.

لكن علينا أيضًا أن نَـقوم بالمزيد. أقول هذا فقط: مِثلَما أنَّ العالم يتحدّثُ بالسوء عن الكهنة لأنَّه يُريدُ إبعادَ الناس عن ينابيعِ النعمة، علينا نحن أن نفعل بِكُلِّ ما هو مُضادٌّ لذلك. امتلاك محبّة كبيرة تُجاهَ كهنتِـنا والتَّحَدُّث بالخيرِ عنهم. خصوصًا أمامَ الأطفال والشباب، لكي يَـنموا مُحِبّين لهم ومُحِبّين لإيمانِنا. قال يوحنا بولس الأوّل، قبل أن يُصبِحَ بابا (ألبينو لوتشياني) الذي سوف يُطَوَّب عن قريب، مُتَحَدِثًا عن القُدرة الرهيبة للإطارِ الذي يَتِمُّ فيه النَّمُوُّ: «لديكُم في العائلة أطفال بِعُمرِ أربعِ أو خمسِ سنوات يتحدّثون بطلاقة؟ نعم؟ كيف حدث ذلك؟ لقد كنتم تُـبقونهم في المنزل، وقد رأيتموهم واستمعتم إليهِم باستمرار، وأجابوا على أسئلتِكُم والآن يتحدّثون بدون أن يسألوا أنفسَهم عن السبب أوِ الكيف. حسنًا، تُريدون أن يتعلّموا الصلاة أيضًا وأن يكونوا وُدَعاء؟ اِعمَلوا بِحَيثُ يرَون في المنزل أبوَين وإخوةً وجُـدودًا يُصَلّون ويُحِبّون بعضُهم بعضًا ويبتسمون ويُواجهون بِشجاعةٍ جميلة تَـضحياتِ كُلِّ يومٍ. اِعمَلوا على أن يَعكِسَ الأثاثُ والصُّوَر والكُتُب والمجّلاتُ الروحَ الرقيقة والدينيّة لِمَن يَـقودُ البيت. كُلُّ واحدٍ مِن هذه العناصر سَيُؤَثِّرُ دقيقةً تِـلْـوَ دقيقةً طَوالَ الأيّام والأشهُر والسنين، نافذًا إلى داخلِ النفس، ومؤَثِّرًا في مصير حياةٍ بِأَكملِها» (ألبينو لوتشياني، «مِـئة فِـكـرةٍ»، 45). إذا كان يُصَلَّى في عائلاتِـنا من أجلِ الدعوات، ومن أجل الكهنة، ويُعاشُ في إطارٍ مَسيحِيّ، فسوف تَـنشأ دعواتٌ كثيرة قدّيسة.

نوكل هذه النِّـيّة لمريم فائقةِ القداسة، أُمِّ جميعِ الكهنة.

 

الأبُ المُوقَّر غُـنسالو رُوِيس فْـرِيـيْـتِـسْ، رَهبنة الكلمة المُتجسّد- ر ك م

Comments are closed.