تَمّـوز 2021

رسالةُ الأب جِـيوڤَــنِّي أَربِلايِس، مُـرسَل في روسيا بعضُ التَّأمُّلات حولَ الصلاة من أجلِ الدعوات

بِفضلِ نعمةِ الله، قد كان لي جَـدّةٌ وأمٌّ وأُختٌ كُنَّ يُصَلّين بِلا كَـلَـل من أجل الدعوات.

إنَّ الذكرياتِ البعيدة عن جَـدّتي، التي كانت تُشارك يوميًّا في القُدّاسِ الإلهيّ، تُذَكِّـرُني بالرغبة المُتَّـقِـدة التي كانت لها بِأن يمنحَ الله نعمةَ الدعوة لأحد أبنائها.

أتذكّر أُمّي، التي كانت تُحَدِّثُـني وتَـنقِـل لي قيمةَ الكهنوت وكرامتَه الكبيرة؛ وهي الكرامة التي كانت تُدافع عنها بغَـيرةٍ ضدَّ الهجمات المُـتَـهَـوِّرة مِن صديقاتِها وجاراتِها. هذه الأُمُّ التي كانت تُحِبُّ الكهنوت، لا شَكَّ في أنّها في عُمقِ صلواتِها كانت ترغب في أن يمنحَ الله نعمةَ الدعوة لأحد أبنائها. أتذكّرُ كما لو كان اليومَ عندما قُلتُ لها إنَّ الله يدعوني للكهنوتِ الإرسالِيّ، فـبَـكَـت بلا تَوقُّف، وأنا قُلتُ لها: لكنْ يا أُمّي لماذا تبكِـين؟ لقد حـدَّثْـتِـني دائمًا عن كرامةِ الكهنوتِ الكبيرة. فأجابَتني – لا أتذكَّر الكلمات بالتحديد ولكنَّ الفكرة كانت هكذا تقريبًا -: نعم أَعرف ذلك، ولكن لَدَيَّ مشاعر مُتناقضة، أَبكي من الحُزن لأنكَ ستبتعد عَنّا، وأيضًا من الفرح من أجل دعوتِـكَ. وأيضًا، وحَتَّى اليوم، دائمًا عندما أتحدّث معها أسألُها كيف حالُها، تُجيبُني: لديَّ أَوجاعٌ كثيرة، ولكنّني أُقَدِّمُها كُلَّها من أجلِكم ومن أجل توبةِ الخاطئين.

وبدون شَكٍّ، إنّ أُختي الراهبة التي جعلَت رَهبنةً بكاملِها تُصَلّي، راجيةً من أجل دعوة أخيها لِلكهنوت ومن أجل رَهبنتِه.

لهذا أَعرف بِنفسي قُـدرةَ الصلاة من أجلِ الدعوات وتنميتِها والمُثابَرة فيها. وأشكرُ الله على كُلِّ واحدةٍ منكنَّ، لأجل كُلِّ صلاةٍ من صلواتِـكُـنَّ.

في هذا النَّصِّ القصير، أرغب في أن أُقَـدِّمَ بعضَ التأملات حول أساساتِ الصلاة من أجل الدعوات وحولَ نَتائجِها؛ وأَتبعُ على نحوٍ أساسِيّ فِكرَ القديس يوحنا بولُسَ الثاني حول هذا الموضوع.

1)    إنَّ أوَّلَ ما يجب أن نُحَـلِّـلَه بخصوصِ الصلاة من أجل الدعوات هي أساسُها:

قال القديس يوحنا بولُسُ الثاني: «إنَّه واضحٌ للغاية أنَّ الالتزامَ الأوّل والأساسِيّ لصالحِ الدعوات لا يمكن أن يكون إلاّ الصلاة: ‹إنَّ الحصادَ كثيرٌ والفَعَلة قليلون، فصَلّوا إذًا لِرَبِّ الحصاد ليُرسِلَ فَـعَـلةً لِحصادِه› (مت 9:/37-38؛ راجع لو 10/2)». وصَرَّحَ الأبُ الأقدس: «إنَّ الصلاة من أجل الدعوات ليست، ولا يمكن أن تكون، ثمرةً للاستسلام، كما لو فَكَّرنا في أنّنا قد قُمنا بالفعل بِكُلِّ ما يُمكن من أجلِ الدعوات، بنتائجَ قليلة جِدًّا، وبالتالي لا يبقى لنا إلاّ الصلاة. بالفعل، الصلاة ليست نوعًا من التَّـفويض مِن قِبَلِنا للرَبِّ لكي يعمل هو بدلاً مِنّا. على العكس، فهي تَعني الوثوق فيه، ووضعُ أنفسِنا بين يدَيه، وهو ما يُعطينا الثِقة بدَورِه ويجعلنا مُستعدّين لتحقيق أعمالِ الله.

ولذلك، فإنَّ الصلاة من أجلِ الدعوات هي بالتأكيد واجبٌ على كُلِّ الجماعة المسيحيّة».

وقال الأبُ الأقدس في مكانٍ آخَـر: «إنَّ اللهَ نفسَه في الحقيقة، ‹رَبَّ الحَصاد›، هو الذي يختار فَعَلَتَه، ونِـداؤُه دائمًا غيرُ مُستحَـقٍّ وغيرُ مُتَـوَقَّع. ومع ذلك، في سِـرِّ عهدِ الله معنا، نحن مدعوّون لِلتعاون مع عنايتِه الإلهيّة، ولِاستعمالِ الأداة القديرة التي وضعها في أيدينا: الصلاة. يسوع نفسُه طلب مِنّا أن نقوم بذلك: ‹صَلّوا إذًا لِرَبِّ الحَصاد أن يُرسِلَ فَعلةً لحصاده› (مت 9/38)».

لقد حَـثَّ الأب الأقدس على الصلاة جَـمعيّةً مُكَرَّسة للصلاة من أجلِ الدعوات، ويمكن أن تُطَبَّق تمامًا على كُلِّ واحدةٍ منكنَّ: «أيُّها الرِّفاقُ الأعِزّاء… لقدِ الْـتـزَمتم على نحوٍ خاصّ بتَشجيعِ الدعوات. لا تَـنسَوا أنَّ التزامَكم يجب أن يكون، قبل كُلِّ شيءٍ، التزامًا بالصلاة، صلاةٍ مُستمرّة لا تتزعزع ومليئة بالّثِقة. فالصلاة تُحَرِّكُ قلبَ الله. إنّها المِفتاحُ القدير لِحَلِّ مسألةِ الدعوات. ولكن في الوقت ذاتِه، فإنَّ الصلاة من أجلِ الدعوات هي أيضًا مدرسةُ حياة، مثلما أبرَزتُ مؤخّـرًا: ‹معَ الصلاة من أجل الدعوات يتمُّ تَعَلُّمُ النَّظَر بِحِكمةٍ إنجيلِيّة إلى العالم وإلى ضروراتِ الحياة والخلاص لِـكُلِّ بَشَرٍ؛ وأيضًا، يَـتِـمُّ عَيشُ المحبّة والتَّعاطُف الخاصَّين بالمسيح لِلإنسانِيّة›».

2)    في المقامِ الثاني، أرغب في أن نُحَلِّلَ النموَّ الرّائع، الذي يجب أن يُنتجَـه الالتزامُ بالصلاة من أجل الدعوات. يُقَدِّمُ الأبُ الأقدس ثلاثَ عَواقِـبَ عَمَلِيّة لمُمارسةِ الصلاة من أجل الدعوات.

في المقامِ الأوّل: «يجب أن تَكونَ الصلاة مصحوبةً بِعَمَلٍ رَعَـوِيٍّ لديه طابعٌ خاصٌّ بالدعوة واضحٌ وصريحٌ. وذلك يعني أنّه منذ أن يبدأ أطفالُـنا وشبابُنا التَّعَرُّفَ على الله وأن يَتكوَّن لَدَيهِم ضميٌ أَخلاقِيٌّ، يجب مساعدتُهم على أن يكتشفوا أنَّ الحياة هي دَعوة، وأنَّ الله يدعو البعضَ لِاتِّباعِهِ بحميمِيّةٍ أكثر، في الشَّـرِكة معه وفي تسليمِ الذات».

في المقام الثاني، يُتابعُ الأبُ الأقدس: «لذلك فإنَّ للعائلاتِ المسيحيّة رسالةٌ ومسؤوليّةٌ كبيرتان ولا بَديلَ لَهما بخُصوصِ الدعوات، ومِنَ الضَّروري مساعدتُهم على الجواب عليها بطريقةٍ واعية وسَـخـيّة. وبمِـثـلِ ذلك، فإنَّ الكرازة وكُلَّ العَمَلِ الرَّعَوِيّ الخاصّ بالتنشئة المسيحيّة يجب أن يُقَدِّما اقتراحًا أوَّلِيًّا للدَّعوة.

3)    وأخيرًا: فعَـلى كُلِّ رَعِيّةٍ وجماعةٍ مسيحيّة، بِكُلِّ مُكَوِّناتِها وتنظيماتِها، أن تَـشعرَ أنّها شريكةٌ في المسؤوليّة الخاصّة بالاقتراح الخاصّ بالدعوة وبِمُرافقتِها».

في هذه النَّتائجِ الخاصّة بالصلاة من أجلِ الدعوات، نرى كيف يُظهِرُ الأبُ الأقدس التَّـوَسُّعَ الجميل بَـدءًا بِـالعلاقة الشخصية الداخلية والروحية مع الله بِواسطةِ الصلاة؛ والتي بدَورِها ستُـكوِّن عائلاتٍ قوية وصِحِّيّة، حيث سيتمُّ تَعَلُّمُ العَيش بحسبِ الحقيقة، في طاعةٍ للشريعة الأخلاقيّة، وفي المُمارَسة الحُـرّة للبحثِ عن مشيئةِ الله، وفي الرَّغبة العامّة للبحث بجِـدّيّة عنِ القداسة؛ والتي بدَورِها ستَـكون جُزءًا من جماعاتٍ كَنَسِيّة مُصَلِّية مُتَحَمِّسة وحَيّة. في هذه الأُطُر وبهذه الاستعدادات الداخليّة والخارجيّة، التي تَـربَّـت على الصلاة وصارت ثمرةً لَها، فإنَّ صوتَ الرَّبِّ يمكن أن يُسمَع بقوّة أكبر، وبِنَـقاءٍ أكبَر، وبصَدًى أكبر في حياةِ مَن اختارَهم الله ولمَن أُقيمَت الصّلاة لأجلِهِم. وأيضًا سيُوَفِّـرُ الرّبُّ للمَدعوين الوسائلَ من أجل تسليمٍ تامّ وسَخيّ لخدمةِ الإخوة.

هكذا عَبَّـرَ القديس يوحنا بولُسُ الثاني عن ذلك: «بالإضافة إلى التَّـرويج للصلاة من أجل الدعوات، هناك ضرورة مُلِحّة للاجتهاد، بواسطةِ الإعلانِ الواضح والكرازة المُلائمة، لأجل تَـشجيعِ المدعوين للحياة المُكَرَّسة على الجوابِ الحُرّ والثّابت والسّخيّ، مِـمّا يُـفَـعِّـل النعمة الخاصة بالدعوة». (الإرشادُ الرسولي لِما بعدَ السينودُس ‹الحياة المُكَرَّسة›، 64).

وفي رسالةِ القديس يوحنا بولُسَ الثاني للكَـردينال جون-كْـلود تُـركوتْ قال:

«إنّ جماعةً مسيحيّةً مُلتزِمةً بالأكثر على طريقِ القداسة، ومُصَمِّمةً بالأكثر على تأكيد أوَّلِيّةِ ما يَفوقُ الطبيعة وعلى التَّعَرُّف في الليتورجية على ‹قِمّةِ ونَـبعِ› كُلِّ عَمَلٍ رسولِيّ، هي فقط  ستتمكّن من إثارةِ الرغبة والفرحِ الخاصَّين بالتَّـسليم تمامًا للرَّبِّ، ومِن تَـنمية بُذورِ الدعوات للكهنوت وللحياة المُكَرَّسة، تلك الدّعوات التي لايَـنـفَـكُّ يسوعُ يَـزرعُها في قلبِ فِتيانٍ فَـتَـياتٍ كثيرين».

ويَتحدث الأبُ الأقدس أيضًا عن واقِعٍ أنا مُعجبٌ به في كثيراتٍ مِنكُـنَّ، وهو هذه الرغبة المُتَّقِدة لأنْ يَتَّحِدَ أشخاصٌ كثيرون جِدًّا بِصَوتِكُـنَّ، لِلتضرُّع لله كي يُرسل دعواتٍ كثيرة وقديسة. هكذا قال الأبُ الأقدس:

«إلى جانبِ الصلاة، فإنَّ العملَ الخاصّ بالتَّـرويج للدعوات يتطلّب أيضًا اجتهادًا ثابتًا، عَـبرَ الشَّهادة الشخصية، لِأجل جَذبِ انتباهِ الناس إلى هذه الحاجة، حَتَّى يكونَ نداءُ الله مسموعًا حَقًّا ويجدَ جوابًا سَخِـيًّا من جانبِ الذين هو مُوَجَّهٌ لهم. هذا هو موضوعُ جهودِكم المُوَجَّهة لِنَشرِ ثقافةٍ أصيلة خاصّة بالدعوات».

خِتامًا لِهذه التأملات، أرغب في أن أُنهي بِحَثٍّ على الصلاة من أجل الدَّعوات، مِنَ قديسِ شـيـلِي الكبير أَلبِـرتو هُـرتادو:

«فإذًا، كما يقولُ جَيِّدًا الأب دُنكور: ‹لم نَـفهم بالقَـدرِ الكافي بَعدُ أنَّ اللهَ يطلب تَعاونَ الإنسان من أجلِ النداءِ ومن أجلِ الجواب›.

كيف نتعاون؟ التَّعاونُ الأوّل هو ما عَلَّمَـنا إيّاهُ المُعَلِّم: صَلّوا لِرَبِّ الحصاد أن يُرسِلَ فَعلةً للحَصاد، لأنَّ الحصادَ كثير والفَعلة قليلون. الدَّعوة الكهنوتية هي عَمَلُ الله، كما قال رَبُّنا لتلاميذِه: ‹لم تختاروني أنتم، بل أنا الذي اخترتُكم›. يجب إذًا أن نَطلب من المُعَلِّم أن يُضاعِفَ نِعَمَهُ وأن يُعطيَ نِعَمًا أكثر وأكثر للمَدعوين حتّى يتركوا أنفسَهم لاختيارِهِ.

يَنبغي إذًا أن تُقامَ دون انقطاعٍ في بلدِنا كُلِّهِ حملةٌ للصلوات، عامّةٌ وفَـرديّة؛ صَرخةُ دُعاءٍ حقيقيّ في مَراكزِ ‹العملِ الكاثوليكي›، وفي المنازل، وفي الجامعات، وفي الجماعات الرُّهبانيّة. يجب على كُلِّ مسيحِيّ أن يُصَلِّي من أجلِ الدعوات. إنَّ أوَّلَ صلاةٍ من أجلِ الدعوات يجب أن تكونَ هي ذبيحةُ القُدّاس، مَصحوبةً بتضحيتِنا الخاصّة في اتِّحادٍ مع الضَّحيّة الإلهيّة لكي يَفدِيَ دمُهُ أنفُسًا أكثرَ وأكثر.

بِالإضافة إلى الصلاة، يجب أن يَتَّحِدَ بِها الوَعظُ المُتَكَرِّر بِـما يُـمَـثِّـلُـهُ الكاهن وبِماهيّة رسالتِهِ، والتَّحفيذ على تعاوُنِ الأُسرة. كَم مِنَ الشباب يمكنُهم أن يُصبِحوا كهنةً مِثالِيّين إذا فُتِحَ لهم حقلُ الإمكانِيّات وإذا فَهِموا أنّهم هُم أيضًا يُمكنُهم أن يُصبِحوا كهنة!».

أخيرًا، يبقى لي فقط أن أشكُـرَكُـنَّ على عملِـكُـنَّ الهائل لِلصلاة من أجل الدعوات. وأتضرّع إلى الله وإلى أُمِّهِ فائقة القداسة كي تُثمِرَ كُلُّ واحدةٍ من صلواتِكُـنَّ في دعواتٍ كثيرةٍ وقِدّيسة لِكُلِّ واحدةٍ من عائلاتِكُـنَّ.

الأب لويس جيوڤَــنِّي أَربِلايِس ڤـارغاس، رهبنة الكلمة المُتجسّد

مُرسَل في روسيا

صلاة من أجلِ الأنفُسِ المَطهريّة

يا رَبّي يسوعُ المسيح،

يا مَن لم تأتِ لِتُهلِك،

بل لتُحرِّر أنفُسَ البشر،

الذين جعلتَ نفسَك لهم علاجًا وحُرِّيّة،

بإعطاء حياتِكَ لافتدائِهِم؛

بتواضُعٍ نَتضرّع طالبين رأفتَـكَ

ورحمتَك اللتان تَفوقانِ الوَصف،

لكي تُشفِـقَ

على كُلِّ أنفُسِ المؤمنين المتوفِّـين (خُصوصًا الأنفُسِ الكهنوتِيّة)

المُعَذَّبين في عُـقوباتِ المَطهر،

كَي تَنالَ تلك التي عن حـقٍّ

تَتألّـم من أجلِ خطاياها،

الغُفرانَ لها بِلُطفِكَ،

لأنَّك قد افتديتَها بدمِكَ الثمين،

فـتَـحصُل، باستحقاقات

وشفاعةِ العذراء مريمَ فائقةِ القداسة

وجميعِ القدّيسين،

على تَحريرِكَ لها من العقوبات التي تُعانيها

وعلى أن تحملَها إلى المجد،

حيث تُسَبِّحُكَ وتَسعَـد

إلى دهرِ الدهور.

آمين.

القديس يوحنا بولس الثاني: “الكنيسة في حاجة ماسة إلى الكهنة”

رسالةُ البابا يوحنا بولُسَ الثاني لليومِ العالمي الثالث والعشرين للصلاة من أجل الدعوات (1986)

بخُـصوص موضوعِ الدعوات، قدَّمَ لنا المَجمعُ الڤـاتيكاني الثاني إرثًا تعليمِيًّا وروحِيًّا ورَعَوِيًّا ثَرِيًّا للغاية. بِالتَّناغُم مع رؤيتِه العميقة لِلكنيسة، يُصَرِّح بصَرامة بِأنَّ واجبَ تنميةِ الدعوات «يتعلّقُ بِكُلِّ الجماعة المسيحيّة» (المَنشود للكنيسة كلِّها- Optatam totius، 2). بعدَ مُرور عشرينَ سنةً، تَـشعرُ الكنيسة بِأنّها مَدعوّةٌ للتَّحَقُّـق من الأمانة لهذه ‹الفكرة- الأُم› للمَجمع بِهدف أن يَكونَ هناكَ الِتزامٌ لاحقٌ.

لقد تَمَّ القيامُ بالكثير، ولكنْ مازال علينا القيام بما هو أكثر بِكثير.

هكذا إذًا، فإنَّ رغبتي هي العمل على أن يتمركز اهتمام شعبِ الله خصوصًا حول الواجبات المُحَدَّدة للجماعاتِ الرَعَوِيّة، التي ينتظرُ المَجمع منها – مع إسهامِ العائلة – «الإسهامَ الأقصى» في نُـموِّ الدعوات.

يَطير الفكرُ فَورًا إلى كثيرٍ من الجماعات الرَّعويّة التي يكون أساقفتُها مُضطرّين لِتَركِها بدون رُعاة، مِمّا يَجعل تأوُّهَ الرَّبِّ يَنطبقُ في الزمنِ الحالي: «الحَصاد كثير، ولكنَّ الفَعلة قليلون» (مت 9/37).

لَـدَى الكنيسة حاجةٌ هائلة إلى الكهنة. وهذه إحدى الضَّرورات الأكثر خطورةً التي تَخُصُّ الجَـماعاتِ المسيحيّة. يسوع لا يريد كنيسةً دون كهنة. إذا غابَ الكهنة غابَ يسوع عن العالم، وتَغيب إفخارستـيّـتُـه وغابَ غُفرانُه. لأجل رسالتِها الخاصّة، لدى الكنيسة أيضًا احتياجٌ هائل إلى فَيضٍ من الدعوات المُكَرّسة الأخرى.

إنّ الشعبَ المسيحيّ لا يمكن أن يوافق بسَلبيّة ولامُبالاة على انخفاض عددِ الدعوات. الدَّعوات هي مُستقبلُ الكنيسة. إنَّ جماعةً فقيرةً في الدعوات تُفقِـرُ الكنيسة كُلَّها؛ وبالعكس، فإنَّ جماعةً غَنيّةً بالدعوات هي ثَـراءٌ لِكُلِّ الكنيسة.

القديس يوحنا بولس الثاني: “إنَّ حَـسرةَ المسيح تَلمِس أشخاصَنا على نحوٍ عميق…”

من رسالة الأبِ الأقدس يوحنا بولس الثاني لليوم العالمي الحادي والعشرين من أجل الدعوات (1984)

كراعٍ للكنيسة الجامعة لا يمكنني أن أمتـنع عن فتح قلبي مرّةً أخرى لكم، وعن إظهارِ الاهتمامِ الذي يُشجعني باستمرار من أجل الازديادِ الفعليّ للدعوات إلى الخدمة المقدسة، وللحياة المُكرّسة بأشكالها المختلفة، وللحياة الإرساليّة. يتعلّقُ الأمرُ بالفعل بمشكلةٍ لها أهمّيّة حيويّة وأساسيّة من أجل جماعة المؤمنين ولِكُلِّ البشريّة…

الراعي الصالح يُظهرُ باستمرار الاشتياقَ إلى ازدياد قطيعِه. وبالفعل، توجد خرافٌ أخرى خارجَ الحظيرة (راجع يوحنا 10/ 16). تَحضُر دائمًا أمام عَينَيهِ الخبرة المأساويّة للجموع من كُلِّ الأزمنة، «الـمُرهَـقة والبائسة كغنمٍ لا راعيَ لها»، مِمّا يجعله يُنادي: «إنَّ الحصادَ كثيرٌ، لكنَّ الفَـعَـلَة قليلون» (متى 9/ 36-37). إنَّ حَسرة قلبِ المسيح الرحومة تتكرر في الزمن وتُؤثِّـر فينا على نحوٍ عميق. مَن الذي يمكنه ألّا يتأثَّر أمام الزيادة المُذهِلة لضرورةِ التبشير؟ إنّ الفادي الإلهيّ يطلب مِنّا جميعًا التعاون لكي لا ينقص أبدًا فَعَلةُ الإنجيل، بحَيث يكون هناك دائمًا رجالٌ ونساءٌ مُصَمِّمين على التَّكَرُّس بالكامل من أجل خدمة شعبِ الله.

صلاة من أجل تقديسِ الكهنة للقديسة تِـريزا لِلطفلِ يسوع

يا يسوع، يا مَن أسّست الكهنوتَ لتُـكْـمِلَ في الأرض العملَ الإلهِيّ لِـتخليصِ الأنفس

اِحمِ كهنتَـكَ (وخصوصًا: ……..)

في مأوى قلبِكَ الأقدس.

اِحفَظ دون وصمةٍ أياديَهُم المُكرَّسة

التي تَـلمِس يوميًّا جسدَكَ المُقدس.

اِحفظ نَقيّةً شِفاهَهُـمُ المصبوغة بدمِكَ الثمين.

اِجعل قلوبَهُم تُحفَظ نقيّة،

تلك المختومة بخَـتـمِ الكهنوتِ السامي،

ولا تسمح بِأن يُلَوِّثَـهم روحُ العالم.

زِد عددَ رُسُلِكَ،

ولْـيَحمِهِم حُبُّكَ المقدس من كُلِّ خطرٍ.

بارك أعمالَهم ومتاعبَهم،

وكَـثمرة لأعمالِهِم الرسوليّة ليَحصُلوا على خلاص أنفُسٍ كثيرة

تَكون هي عزاءَهم هنا على الأرض وإكليلَهم الأبديّ في السماء.

آمين.

رسالة من الأب بِرناردو إيبارّا

يا سيداتِ الأربعين ساعة العزيزات،

يومًا بعد يوم، يَـكـثُـر ما على المَحَـكّ. نعيش في أزمنةٍ صعبة. وكما يقول المَثَــل: «لِلشرورِ الكبيرة عِلاجاتٌ كبيرة». من هنا أَصْلُ الأربعين ساعة للدعوات. هو العلاجُ الكبير الذي يجب أن يُستَخدَم في هذه الأزمنة: زيادةُ الدعواتِ الكهنوتية والرُّهبانية.

البعض سيقولون أنّه مِنَ الأفضلِ القيام بشَيءٍ مختلِف، أو أنّه في الواقع توجد أمورٌ أكثر أهمّيّة يجب الاهتمام بها، مثلُ الفقر، والحرب، واستخدام المخدِّرات، إلخ. لكنَّ الأمرَ ليس كذلك، فإنَّ الأكثر أهمّيّةً دائمًا هو إبقاءُ الطريق إلى السماء مفتوحًا، لأنّه كما قال فُــلتُـن شين الكبير: «إنْ لم تُخَلَّصِ الأنفس، فلن يُخَلَّص أيُّ شيءٍ». لا ينفعنا بشيءٍ أن نتخلَّى عن أن يكون لدينا فقراء إنْ لم يوجَد كهنةٌ. ولا ينفعنا بشيءٍ أن تتوقّفَ الحربُ إذا غاب أولئك الرجال الذين يُحضِرون الإلهَ الذي صار بشرًا إلى مذابحنا. لا ينفعنا بشيء.

من هنا تَـنبَع الحاجة الحاليّة المُلِحّة والضرورة القهريّة للركوع أمام القربانِ المقدس ولِطلب ما أمَرَنا هو أن نطلبَه: «زيادةِ الفعلة من أجل الحصاد».

إنَّ مُرسَل ألاسكا الذي لا يَكِلُّ، سيغُـندو يورِنتي، كان يعيش تَستهلـكُـهُ الرغبة في نَهضةِ الدعوات، حَتَّى إذا كان القيام بذلك صعبًا للغاية عليه بين الإسكيمو. على الرَّغم مِن ذلك، فقد ألَحَّ الرَّبُّ عليه – بهذا الشوقِ الحَيّ الذي كان لدَيهِ لأنْ يكون أداةً له في ذلك الواجبِ النبيل – لكي يَجعلَ آلافَ الكهنة والراهبات يَنشَؤون في أراضٍ أخرى. أيَّةُ نفسٍ كبيرة أخرى لا يمكنها إلاّ أن تمتلك هذه الرغبات نفسَها.

يحُثُّنا الزمن الذي نعيشُه ويُجبرُنا على أن نهتمَّ بما هو أساسِيّ: يجب تخليصُ الأنفس. «أعطِني أنفُـسًا – كما قال دون بوسكو – وابقَ مع الباقي». فليكُن ذلك شعارُ سيّداتِ الأربعين ساعة، لكيما بامتلاكِ هذه النار الداخليّة في قلوبِهِنَّ يتمكَّنَّ من سَلبِ آلافٍ من الدعوات الجِـدّيّة من الرَّبِّ من أجل كنيسته، مع تَذَكُّرِ دائمًا أنَّ «مَن يَبحث يَجِد».

فليُباركُّــنَّ الله،

الأب بِرناردو إيبارّا، رهبنة الكلمة المتجسد.

صَلّوا لِربِّ الحصاد لكي يُرسِلَ فَعَلَةً لِحَـصادِهِ (متى 9/ 38)

متى 9/ 33-38

وما إنْ خرجا حتى أتَـوه بأخرسَ مَمسوس. فلما طَرد الشيطان تكلّم الأخرس، فأٌعجِـبَ الجُموع وقالوا: «لم يُـرَ مثلُ هذا قَـطّ في إسرائيل!». أما الفريسيون فقالوا: «إنه بِسيّدِ الشياطين يطردُ الشياطين».

وكان يسوع يَجول في جميعِ المدن والقُرَى يُعلِّمُ في مَجامعِهِم ويُعلن بشارةَ الملكوت ويشفي الناس من كل مَرَضٍ وعِلّة. ورأى الجموع فأخذَته الشَّـفَـقة عليهِم، لأنهم كانوا تَعِـبين رازِحين، كغَـنمٍ لا راعِيَ لها. فقال لتلاميذِهِ: «الحَـصاد كثير ولكنَّ العَمَلة قليلون. فاسألوا إذًا ربَّ الحَصاد أن يُرسل عَمَلةً إلى حَصادِه».

هذا النَّصُّ من إنجيلِ القديس متّى يَسبِق مباشَرةً إرسالَ يسوع الأوّل تلاميذِهِ لأجلِ الرسالة، مُعطِيًا إيّاهُم «القُدرة على الأرواحِ النَّجِسة لِطَردِها ولِشِفاءِ كُلِّ عِلّةٍ وكُلِّ مَرَضٍ» (متّى 10/ 1). فلنَتركْ جانبًا الجُزءَ الأوّل: طردَ الشياطين من الممسوسِ الأخرس، الذي بعد طردِ الشيطان منه بدأ يتكلم… وعَـدَمَ الفَهم والحَسد مِن قِـبَـلِ الفرّيسيّين غيرِ القادرين على التوبة أمام علامةٍ فائقة للطبيعة كهذه… بينما الناس تعجّبوا وقالوا «لم يُـرَ مثلُ هذا قَـطّ في إسرائيل». يكفي القول إنَّ معجزة يسوع هذه، التي يُظهِرُ فيها قُدرَتَهُ على الشياطين، تُحَضِّرُ إرسالَ الرُّسُلِ الذي تَلاها، والذي من أجله يَنقِـل يسوع لهم قُدرَتَهُ على طردِ الشياطين وعلى الشفاء. وهي قُدرةٌ بواسطةِ الرُّسُلِ – خصوصًا في تَوصيلِ الكهنوتِ الكاثوليكِيّ – تمتلكها الكنيسة أيضًا اليومَ وكذلك خُدّامُها.

إنَّ ما يُهِمُّنا بالأكثر هو الجُزءُ الثاني من النصِّ، والذي فيه كان يسوع يسير في القُرى والمجامع يشفي كُلَّ عِلّةٍ وكُلَّ مَرَضٍ (وهي القُدرة التي سيَمنحُها للرُّسُلِ أيضًا كما في باقي النَّصِّ)، وأخذَته الشفقة على الناس الذين كانوا تَعِبين رازِحين، لأنّهم كانوا كَغَنَمٍ لا راعيَ لها. ويأمر بأن يُصَلَّى لِله لكي يَصنعَ فَعَلَةً في حصادِ الرَّبِّ، أيْ أن يرسِلَ خُدّامًا في حقلِ العالم، كي يَعملوا من أجل خيرِ الأنفس.

هذا النَّصُّ يُحَدِّثُنا إذًا عن أوّلِ الأعمالِ الرسوليّة الخاصّة بالدعوات الذي يجبُ القيام به، الذي عَلَّمَنا يسوع نفسُه إيّاه وأمَرَنا بالقيام به: الصلاة من أجل الدعوات، الصلاة لِرّبِّ الحصاد (الله) لكي يُرسل فَعَلَةً للعمل في حَصادِهِ. بِهذا الأمر يؤكِّدُ لنا الرَّبُّ أيضًا على فاعليّة هذه الصلاة، لأنّها صلاة من أجل خيرِ الكنيسة وخيرِ الأنفُس، صلاةٌ يسمعها هو دائمًا. ولكن لِنُحَلِّـلِ النَصَّ أكثر.

– يسوع يُشفِق على الناس… لأنّهم كَغَنَمٍ بدون راعٍ. إنَّ شفَـقة يسوع هي التي جعلَـته يتجسّد، أن يصير إنسانًا، لكي يأتي لفِداءِ البشر. هذه الشفقة يُغَنّيها زكريا أبو القديس يوحنا المعمدان بِشَكلٍ جميلٍ في صلاةِ التسبحة الخاصة به، عندما وُلِد سابقُ يسوع: «بِـأحشاء رحمةِ الله، سوف يَـفـتـقــدُنا شمسٌ يولَد من العُلى… مُخَلِّصٌ قدير»؛ أحشاءُ رحمة الله، الذي هو مَحَبّة، كما يُعَلِّمُ القديس يوحنا في رسالتِه الأولى. «الله محبّة».

– بِحُبِّ اللهِ الحميم هذا، فإنَّ أوّلَ مَن أُرسِلَ لرعايةِ الخِراف وتوجيهِها نحو مَـراعي السماء الأكيدة، كان يسوعَ نفسَه. هو قد أتى كراعٍ للخراف، « كَــراعٍ كبير» مِثلما يَدعوه القديس بطرس. وقد أظهر لنا كيف يكونُ المَـرءُ راعيًا صالحًا: بإعطاءِ الحياة من أجلِ الخِراف. وهو سيقول فيما بعد: أنا الراعي الصالح. الراعي الصالح يَـبذِل حياتَه من أجلِ الخراف. ويُعطيها بِحُرِّيّة: لا يَـنتزعها مِــنّي أحدٌ، بل أنا أُعطيها بنفسي. لديَّ القُدرة على إعطائها والقُدرة على استعادتِها. يُظهِرُ هكذا أنَّ الحُبَّ الأعظم هو الحُبُّ الذي يصل إلى درجةِ الموت من أجل مَن يُحِبُّهُم. وهو يقول بعد ذلك في العشاءِ الأخير: لا يوجد حُبٌّ أعظم مِن بَـذلِ الحياة من أجل الأَحبّاء

– هذا الراعي الصالح – الذي أُرسِلَ مِن أبيه لِـيُـضّـحّي بِـحياتِه من أجلنا – يريد أن يقوم آخَـرون بِمِـثلِ ما فعل هو. يريد أن يُشاركَ آخَرون في رسالتِه الفادية نفسِها. لذلك يختار، ويُنادي. ويختار دائمًا، ويُنادي دائمًا لكي لا يَـنقُـص في كنيستِه الرُعاةُ الصالحين، المُستعدون لبَذل الحياة من أجل الخراف. لقد اختار الرُّسُلَ أوّلاً، وتلاميذَ آخَـرين، وأرسلهم قائلاً: «كما أرسلني الآب، هكذا أنا أُرسِلُكُم». أيْ إنّه يُرسلنا مُعطيًا إيّانا كُلَّ ما هو ضروريّ للرسالة، كما أنّ الآبَ قد أعطاهُ هو كُلَّ ما هو ضروريّ للرسالة منذُ الولادة الأزليّة للكلمة؛ ولكنّه أيضًا يُرسلنا للغرض ذاتِه: لِلتعليم ولِصُنع الخيرِ للجميع. كما أنّه  قد أَعطانا الطّريقة المُحَدَّدة: أنّنا مُرسلون على النحو ذاتِه مِثـلَـه، أي لإعطاءِ الحياة من أجل الخراف.

كم هي كبيرة دعوةُ الكهنة! هي مَـدٌّ لِرسالة يسوعَ نفسِها… لا مُنفَصِلةً عن يسوع، بل بالاشتراك في كهنوتِه الأوحد! وهو كهنوتٌ فَعّال من أجل غفران خطايا العالم. لذلك فإنَّ الكاهن – عندما يقوم بالأمور الكُبرَى التي يقدر هو فقط أن يَـفعلَها (الاحتفال بالقداس وحَـلُّ الخطايا) – فإنّه يَـنطِق بالكلمات مِن مَنظورِ الشّخصِ المُـتـكـلِّم، على أنّه قد جُعِلَ ذاتَ الشيء هو ويسوع: هذا هو جسدي الذي أُسلِــمَ من أجلِكم / هذا هو دمي المُهرَق من أجلِكم / أنا أَحِـلُّـكَ من خطاياك.

– وهكذا، فبواسطةِ الكهنة يُديمُ يسوع تَواجدَه الكهنوتيّ في الكنيسة. وأيضًا في كُلِّ مُعَمَّدٍ، لِـكَونِهِ عُضوًا منه هو وجُزءًا من جسدِه ومن شعبِه الكهنوتيّ. لكنَّ الكاهنَ المُرتَسِم يشترك في وظيفةِ المسيحِ الرأس، المسيحِ الرأس الذي منه تَنبثقُ النعمة لِكُلِّ الجسد السِّرِّيّ. يا لها مِن دعوة رائعة! بواسطةِ الكهنة يكون يسوع كقربانٍ يُقَدِّمُ ذاتَهُ على مذابحِـنا، وكغِذاءٍ يُعطينا إيّاه في التّـناوُل، ولِغُفران الخطايا. وله قُدرةٌ أيضًا على شفاء كُلِّ عِلّةٍ وكُلِّ مَرَضٍ روحيّ – كما يقول إنجيلُ القديس متّى – والقُدرة على طرد الشيطان.

يا لها مِن دعوةٍ رائعة تُحارَب بِـضَـراوة في أيّامنا! لأنَّ العَدُوَّ يَعلم أنّه لا يقدر على شيءٍ ضِدَّ قُدرةِ الكهنة، لأنَّها قُدرةُ المسيح ذاتُها. بالتالي فإنّه يفعل كُلَّ شيءٍ لإبعادِ الناس عن الكاهن… بواسطة الافتراء والتَّـشهير وتشويهِ السُّمعة… يكفي فَـتحُ جريدةٍ أو الاستماع لِمَحَطَّةِ راديو لمُلاحظة ذلك!

ومع ذلك، فَـكَم إنّ الكاهن عظيمٌ! الكهنة القديسون هُم زهرةُ الإنسانِيّة، وفاعلو الخيرِ العِظام للإنسانِيّة، الذين يُقَدِّمون ذواتِـهِـم بِصَمتٍ من أجل خلاصِ الأنفُس. عَسى الله أن يُرِيدَ إرسال كهنة قديسين كثيرين إلى كنيستِه. ومن أجل ذلك علينا أن نُصَلّي كثيرًا، بحسب أمرِ الرَّبّ: صَلّوا إلى رَبِّ الحَصاد لكي يُرسلَ فَعَلَةً أكثرَ لحَصادِهِ. هذا هو العملُ الرَّعَوِيّ الخاص بالدعوات الأوّلِيّ والأساسيّ بِالدّرجة الأُولَى! لأنَّ مَن يُرسِـلُ الفَعَلة إلى حَـصادِهِ هو الله: هو فقط يُنادي، وعلينا أن نطلبَ منه هذه النعمة.

لكن علينا أيضًا أن نَـقوم بالمزيد. أقول هذا فقط: مِثلَما أنَّ العالم يتحدّثُ بالسوء عن الكهنة لأنَّه يُريدُ إبعادَ الناس عن ينابيعِ النعمة، علينا نحن أن نفعل بِكُلِّ ما هو مُضادٌّ لذلك. امتلاك محبّة كبيرة تُجاهَ كهنتِـنا والتَّحَدُّث بالخيرِ عنهم. خصوصًا أمامَ الأطفال والشباب، لكي يَـنموا مُحِبّين لهم ومُحِبّين لإيمانِنا. قال يوحنا بولس الأوّل، قبل أن يُصبِحَ بابا (ألبينو لوتشياني) الذي سوف يُطَوَّب عن قريب، مُتَحَدِثًا عن القُدرة الرهيبة للإطارِ الذي يَتِمُّ فيه النَّمُوُّ: «لديكُم في العائلة أطفال بِعُمرِ أربعِ أو خمسِ سنوات يتحدّثون بطلاقة؟ نعم؟ كيف حدث ذلك؟ لقد كنتم تُـبقونهم في المنزل، وقد رأيتموهم واستمعتم إليهِم باستمرار، وأجابوا على أسئلتِكُم والآن يتحدّثون بدون أن يسألوا أنفسَهم عن السبب أوِ الكيف. حسنًا، تُريدون أن يتعلّموا الصلاة أيضًا وأن يكونوا وُدَعاء؟ اِعمَلوا بِحَيثُ يرَون في المنزل أبوَين وإخوةً وجُـدودًا يُصَلّون ويُحِبّون بعضُهم بعضًا ويبتسمون ويُواجهون بِشجاعةٍ جميلة تَـضحياتِ كُلِّ يومٍ. اِعمَلوا على أن يَعكِسَ الأثاثُ والصُّوَر والكُتُب والمجّلاتُ الروحَ الرقيقة والدينيّة لِمَن يَـقودُ البيت. كُلُّ واحدٍ مِن هذه العناصر سَيُؤَثِّرُ دقيقةً تِـلْـوَ دقيقةً طَوالَ الأيّام والأشهُر والسنين، نافذًا إلى داخلِ النفس، ومؤَثِّرًا في مصير حياةٍ بِأَكملِها» (ألبينو لوتشياني، «مِـئة فِـكـرةٍ»، 45). إذا كان يُصَلَّى في عائلاتِـنا من أجلِ الدعوات، ومن أجل الكهنة، ويُعاشُ في إطارٍ مَسيحِيّ، فسوف تَـنشأ دعواتٌ كثيرة قدّيسة.

نوكل هذه النِّـيّة لمريم فائقةِ القداسة، أُمِّ جميعِ الكهنة.

 

الأبُ المُوقَّر غُـنسالو رُوِيس فْـرِيـيْـتِـسْ، رَهبنة الكلمة المُتجسّد- ر ك م

صلاة للقديس بولُس السادس

إذْ نَستنير ونَتشجَّع بكلمتِـكَ، نُصَلّي لك يا رب من أجلِ جميع مَن قدِ اتَّبَعوا نداءَك بالفعل ويعيشونه الآن. من أجل أساقفتِكَ وكهنتِكَ وشمامستِكَ؛ وأيضًا من أجل مُكَـرَّسيكَ الرُّهبان، والإخوة والراهبات؛ وأيضًا من أجل مُرسَليكَ ومن أجل العِـلمانيّين الأسخياء الذين يعملون في الخدمات القائمة والمُعتَرَف بها من الكنيسة المُقَدَّسة. سانِدهم في الصِّعاب وعَـزِّهِـم في الآلام وكُن معهم في العُزلة واحمِـهِـم في الاضطهاد وثَـبِّـتْـهم في الأمانة!

 

نُصَلّي لك يا رب من أجل مَن يفتحون نفوسَهُم لِنِدائِكَ أو يتحضّرون بالفعل لاتِّباعِهِ. لِـتُـنِــرهُم كَـلمتُـكَ وليَملَأْهُـم مِثالُكَ ولْـتَــقُـدهم نعمتُـكَ إلى غايةِ الدَّرجاتِ المُقَدَّسة والنُّـذورِ الرُّهبانِيّة والتكليفِ الإرسالِيّ.

 

لِتَكُـنْ كلمتُـكَ لهم جميعًا توجيهًا ودعمًا لكي يتمكنوا من توجيهِ الإخوة ونُصحِهِم ودَعمِهِم بقوّةِ الاقتناع والحُب التي تَمتلكُها أنتَ والتي أنت وحدَكَ يمكنك أن تَـنقِـلَها.

 

1 فبراير / شباط 1978، البابا بولُس السادس

التكريس لقلب يسوعَ الأقدس – من القديس يوحنا بولس الثاني

أيها الرب يسوعُ المسيح، يا فادي الجنسِ البَشري، نحن نلجأ إلى قلبِـكَ الأقدس بتواضع وثقة، بوَقارٍ ورجاء، وبرغبة عميقة في تقديمِ المجدِ والكرامة والتسبيح لكَ. أيها الرب يسوعُ المسيح، يا مخلِّصَ العالم، نشكرك على كلِّ ما أنتَ عليه وعلى كلِّ ما تـفعلُه. أيها الربُّ يسوعُ المسيح، يا ابنَ اللهِ الحَيّ، نَحمدُكَ على المحبة التي أظهرتَها من خلال قلبِك الأقدس، الذي اختُرِقَ من أجلنا وأصبح مصدرَ فرحِـنا، ونبعَ حياتِـنا الأبدية. ها إنّنا مجتمعون بِاسمِك الذي يَفوقُ جميعَ الأسماء، ونُـكرِّس أنفسَنا لقلبك الأقدس، الذي يَحِـلُّ فيه مِلءُ الحق والمحبة. وإذْ نُكـرِّس أنفسَنا لك، نُجَدِّد نحن المؤمنين (أشخاصًا أو في أماكنَ ما) رغبتَـنا في الاستجابة بحبٍّ لِـغِـنَـى فَـيضِ حبِّـكَ الرحيم الكامل علينا. أيّها الربُّ يسوعُ المسيح مَـلِـكُ الحُبِّ ورئيسُ السلام، اِملِـك في قلوبِـنا وبيوتِـنا. اِهزِم كلَّ قِـوَى الشرير وقُدنا إلى المشارَكة في انتصار قلبِـكَ الأقدس. ولْـنُـعلِـنْ جميعًا ونُمجِّـدْكَ أنتَ والآبَ والروحَ القدس، الإلهَ الواحد الذي يحيا ويَملِـك إلى دهرِ الدهور! آمين.

(قيلت بمناسبة رحلة الى الهند، عام 1986)

صلاة من القديس يوحنا بولس الثاني، لأجلِ الدّعوات

يا يسوعُ ابنُ الله، الذي يسكن فيه مِلءُ اللاهوت، والذي تَدعو جميعَ المعمدين «للخروج إلى العمق» سائرين في طريق القداسة، أَثِــر في قلوبِ الشباب الرَّغبة في أن يكونوا في عالمِ اليومَ شهودًا لِـقُـدرة حبِّـكَ. املأْهُم بروحِ القوة والفِـطنة الذي لكَ كي يكتشفوا كِـيانَهم الأصيل ودعوتَهم الحقيقية. يا مُخلِّـصَ البشر، المُرسَل مِنَ الآب ليَـكشِف عن الحب الرحيم، اِمنح كنيستَـكَ عطيّةَ الشبابِ المستعِدّين للخروج إلى العمق، بكَـونِـهِـم بين إخوتِـهِـم إظهارًا لِحضورِكَ الذي يُجَدِّد ويُخَلِّص.

أيّتها العذراء، يا كُـلِّـيَّـةَ القداسة، يا والدةَ الفادي، والمُرشدة الأكيدة في الطريق نَحوَ الله والقريب؛ أنتِ التي حَفِظْتِ كلماتِهِ في أعماق قلبِـكِ، اِحمي بشفاعتِـكِ الأُمومية العائلات والجماعات المسيحية، حتى يساعدوا المراهقين والشباب على الاستجابة لنِـداءِ الربِّ بسخاء. آمين.

يوحنا بولس الثاني

11 أغسطس/ آب 2004​

Comments are closed.