النشرة الإخبارية لشهر أغسطس 2021

من الضروريّ اختبارُ الدعوات

إنَّ الشابَّ الذي يَصِل تحت إرشادِنا وبمساعدتنا إلى أن يُقَرِّر دخول إمّا الحياة الرهبانية وإمّا الكهنوت، لا يجب تركُهُ لِذاتِهِ، ولا يجب اعتقاد أنَّ عَمَلاً لاحقًا من جانبِـنا في نفسِهِ سيكونُ بلا فائدة. من الضروريّ أن تـتأكّـدَ الدعوة، وأن تَـضربَ جذورًا عميقة من الاقتناع، وتَـتغـذَّى بالصلاة والحوار والعمل الرسوليّ، وأخيرًا أن تُـختَـبَـر.

نقول أنّه يجب أن تُـختَـبَـر أخيرًا، أيْ في النهاية، عندما لا تكون الدعوة بالفِعل مُجَرَّد نَـبتة صغيرة رقيقة بل تكون مُتـقـدّمةً في التَّحَوُّل إلى شجرة، وعندما يكون قد أدركَ ما هو ماضٍ فيه، وأن يَكونَ الوقت قد أعطاه إمكانِيّة أن يستوعب في قلبه كُلَّ مُرَكَّبِ الالتزامات والأفراح الروحيّة والتضحيات التي سيَختبرها في نوع الحياة الجديد الذي انتقاه بِحُرِّيّة.

من المناسب أخذُ الأمر بِـجِـدّيّة وأهمِّيّة منذ الـبَـدء، وذلك يمكن أن يحدث جَيِّدًا جِدًّا دون إعطاءِ الانطباع بأنّكم تُريدون التأثير عليه.

«حَقًّا؟ لديك دعوة؟ إنّها لَـقد تكون نعمةً كبيرة من الله. أتمنّى لك ذلك، وأن تقدر أن تَصِلَ إليه، لأنّك بالحقيقة ستكونُ شابًّا سعيدًا. ولكنِ احـكِ لي قليلاً كيف جاءك هذا الفِكر؟». هكذا وبهدوء يَـخرج كُلُّ شيءٍ بِـصراحة وبنوعٍ من الصداقة والثِقة، وفي الوقت نفسه يمكن فَحصُ الأمر بهدوء. سيكون الشابُّ صديقًا لكم، وعندما يرى صِدقَكم سينفتح معكم مُقتنِعًا بأنّه بوضع نفسه بين أيديكم سوف يُرشَد جَيِّدًا.

 

 

واجبُ اتِّباعِ الدعوة

إنَّ مَن لديه دعوة حقيقيّة يُفَكِّرُ في اتِّباعِها لا لأنّه مُضطرٌّ بل لأنّه هو نفسَه يريد بلوغ مَثَـلِهِ الأعلى سريعًا على قدر الإمكان. لكنَّ الشيطان يمكن أن يُهاجمَه بتجارِبَ قوِيّة، جاعلاً اِلتهاءاتِ العالم تبدو جميلة جِدًّا وتضحياتِ الحياة الرُّهبانية لا تُطاق على نحوٍ رهيب.

إذا كان، مع مرور الوقت، يَمضي مُقتنِعًا من أنَّه قد اتّخذ قرارَه في لحظةٍ من الحماس وأنَّ الحياة الرُّهبانية في الواقع ليست له لأسبابٍ يُـقِــرُّها أبوه الروحيّ، فَمِنَ الواضح أنّه لا يَخطأ إذا ارتَـدَّ عن قرارِهِ. في تلك الحالة، يظهر قرارُه – بعد اختبارِه – أنّه لم يُتَّـخَـذ جَيِّدًا أو أنّه خاطِئٌ.

الأسوأ هو عندما يكونُ الشابّ مُـقتنعًا من أنَّ لديه دعوة حقيقيّة، ولكنّه لا يريد اتِّباعَها لأسبابٍ بَـشريّة أو تافهة أو لِعِنادٍ منه: «يُـعجبني العالم! يُزعِجُني أن أكون راهبًا. يبدو أنّني سأكون سخيفًا في الثوب. لا أُريد لأنّني لا أُريد». وتلك أحداثٌ واقعية تَـحدُث بِالفعل.

* كان الأب يوريو مُـحِـقًّا إذًا في كتابِه مُختصر اللاهوت الأخلاقي[1] حيث عَـبَّـر عن نفسه حول هذا المَوضوع بِالتَّحديد على نحوٍ جادٍّ لِلغاية:

«يُسأل عَمّا إذا كان يَـخطَـأ، وكيف يَـخطَـأ، مَن يشعر بأنّه مدعوٌّ للحياة الرُّهبانيّة ولا يَـتـبـعُ الدعوة الإلهيّة.

«أُجيب: 1- في حَدِّ ذاتِهِ وبالتَّدقيق لا يَخطأ بأيِّ شكلٍ من الأشكال لأنَّ المَشوراتِ الإلهيّة في حَدِّ ذاتها لا تَـفرِض أيَّ إجبارٍ بِما أنّها، في ذلك تحديدًا، تختلف عن الوصايا.

«أُجيب: 2- ومع ذلك، بالكاد وبِمَشَقّةٍ يُـمكن للشخص أن يَـعفي ذاتَه من خطيئةٍ ما بسبب الخطر الذي يُعَرِّض نفسَه له بأن يَـهلِـك أبدِيًّا. وهو بِالإضافة إلى ذلك يرتكبُ خطيئةً مُميتة إذا كان مُقتنعًا بأنَّ الوسيلة الوحيدة المُتَبَقِّية له لبُلوغِ الحياة الأبديّة هي الهروب من مخاطر العالم بِـجَـعل نفسِه راهبًا.

* بالرغم من ذلك، يُعَـبِّـرُ الأب فِـرِّيـرِس عن نفسِه بحماسٍ أكبر[2]:

«هل تُجبرُ الدعوة للكهنوت الشخصَ على اتِّباعِها تحت وطأةِ الخطيئة المُميتة؟

يبدو للبعض أنَّهم يجب أن يُجيبوا بِـنَــعَــمْ عندما تكون هناك إشاراتٌ أكيدة للدعوة، وذلك بسبب أنّ مَخاطر شديدة جِدًّا لِـلهلاك ستُحدِق بِمَن – بعد احتقارِه لِـلدعوة الإلهيّة – وبِمُبادرةٍ خاصّة منه – يُعانق حالةً أُخرى في العالم».

«ولذلك يقول القديس ألـفُــنس ماري دي ليغوري إنَّ هذه الدعوة لها أهمِّيّة كبيرة، لأنَّ خلاصَ المدعو يعتمد عليها وأيضًا خلاصَ مؤمنين كثيرين».

وبعد ذلك، بأحرُفٍ أصغر، وبعد أن جعل هذا الحُـكم كأنّه خاصٌّ به، يُتابعُ الأب فِـرّيـرِس:

«على كلّ حال، يُفَرِّقُ آخرون بين دعوةٍ إلزاميّة، التي يَفرضُ الله بها إجبارًا للطاعة، وبين دعوةٍ نِـدائـيّة، يدعو الله بواسطتها إلى حالةِ الإكليروس، ولكنّه لا يَـفرض إجبارًا ضَيِّـقًا. يقول هؤلاء إنَّ أوّل نوعٍ من الدعوة يُجبِر تحت وطأة خطيئة خطيرة [sub gravi ]، بينما النَّوعُ الثاني لا…».

وهذه الطريقة في الحَـديث التي لَدَى اللاهوتيّين لن تُذهِلَنا إذا فَكَّرنا في كيف أنّ الله – عمليًّا في الواقع – كثيرًا ما يجعلُ الشخصَ يدفع على نحوٍ رهيب لِـهذه اللا، عندما تُقال بِالنَّـغمة والشكل الخاصَّين بالمُتَمَرِّد الصغير التي يرمي ويحتقر نعمةً خَـصَّهُ بها الله وتُـقَـدَّم له كإشارة إلى حُبٍّ هائل من جانب فاديه، وكُلُّ ذلك… لِعِنادٍ… أو لرغبةٍ خَـفـيّة في الاستمتاع بالحياة، أو لأنّه لا يرغب في ما يبدو أنّه تضحية.

إذا عاقب الله، فهَذا يَعني أنَّ هذه اللا ليست أمرًا لا يُبالي هو به.

[1]  المُجَـلَّـد 2، رقم 154 .

[2]  راجع مُختصَر اللاهوت الأَخلاقي، المُجَـلَّـد 2، رقم 921 .

الاختيار

 

1- التحضيرُ المُـبَـكِّـر

ليس من المُناسب أن يَـتِـمَّ الاختيار حالاً. بل من المُناسب قبلَ ذلك أن يَعرفَ الشابُّ مَـزايا الحياةِ الرُّهبانِيّة، ومَدَى تأثيرِ النُّـذور المُقَدّسة، والطاعة والعِـفّـة إلخ؛ وأن يعرف ما هي واجباتُ الكاهن، وجمالُ هذه الكرامة الرّفيعة؛ ويجب أن يفهم قليلاً ما يَـتـركُه، وأيضًا جمالُ سِرِّ الزواج الذي هو سِرٌّ عظيم مليءٌ بالمعاني السِّرِّيّة وهو أداة بين يَـدَيِ الله الخالق.

لا يجب التَّعَجُّل في قَولِ كُلِّ ذلك له. لا يوجد سبب في تقديمِ الموضوع كُلِّهِ له مرّة واحدة، بل شيئًا فشيئًا، لِـتَهدئة استعجالِ الشابّ. بهذه الطريقة سيكون له وقتٌ للتَّـذَوُّق، ولِأن يَعقلَ الأمر كُلَّهُ ويَـزِنَهُ؛ وحين يقوم بالاختيار بعد ذلك، سيكون قد تَحَصَّلَ على بعضِ النضوج.

2- التحضيرُ القريب

بعد إتمام ما سبق، يكون من المناسب تحديدُ تاريخِ القيام بالاختيار؛ وبينما يتحضَّر، فليَقُم بِتُساعِيّة للقلب الأقدس أو لِلعذراء فائقةِ القداسة. ومن الأفضل كثيرًا إن أمكنه أن يقوم بالتمارين الرُّوحِيّة في الصَّمت والاختلاء بِالذات. أيّامُ التحضير هذه يجب أن تكون أيّامَ صلاة، وقراءات رُوحِيّة، وخَـلوة وتكفير. يتعلّقُ الأمر بالحصول من الله على أن يَجعل ذاتَه مسموعًا بنعمتِه وبأنواره. لن يقومَ بأمرٍ مادِّيّ بل بِـعَمَلٍ فائقٍ للطبيعة، وإنْ لم يأتِ العَونُ من الله فـيَكاد يَكون مِنَ المؤكَّـد أنّنا سنُـخـطِئ.

أمرٌ آخر يجب القيام به هو أن يُـبعِد عن ذِهـنِـه جميعَ فِئات المَصاعب التي تَـظهر أمامه. من عادةِ الشيطان أن يُـقِـلقَ الشابّ ويَـحولَ دون قيامِه باختيارِ الحالة جَيِّـدًا، مُقَدِّمًا له صعوباتٍ غير قابلة للتَّخَطّي، بِحَيثُ بدلاً من البحث بصراحة عن مشيئةِ الله، يعتقد قبل الأوان أنّه لن يقدر أبدًا أن يكون كاهنًا أو أنَّ الحياة الرُّهبانِيّة ليست له. «بالرَّغم من أنّك لا تعرف ما إذا كان الله يدعوك أم لا؛ اُنظُـر أولاً إذا كانت هذه مشيئةُ الله لك، وبعد ذلك ستَـفحص الصِّعاب فَتَرَى إن كانت تُضعِف قرارَك».

قبل القيام بالاختيار يجبُ النظر جَيِّـدًا في موضوعِ الاختيار ذاتِه.

أوّلاً: هل يجب أن أتبعَ الطريقَ المُعتاد مع البقاء في العالم، أَمْ الابتعاد وتسليم ذاتي لِحياةٍ كاملة؟

ثانيًا: هل يجب أن أُصبِح كاهنًا إيبارشِيًّا أَمْ رُهبانِيًّا؟ وإذا قرّرتُ أن أُصبِح رُهبانِيًّا، قد أكون مُتَرَدِّدًا حول «أيّة رَهبنة سأختار»، ولذا عليَّ أن أقومَ باختيارٍ آخَـر.

النقطة الرئيسيّة هي الأولى؛ الآخَـرون، في أغلب الأحيان، مِن المُعتاد أن يُقَرِّروا لِـذواتِهِم بطريقةٍ طبيعيّة للغاية ولا يُظهِرون صعوبات كبيرة.

في هذا الوقتِ الحاسم والحازم من حياةِ الشاب عليه أن يُقنِعَ ذاتَه بِأنّه لا يستطيع المُضِيَّ قُدُمًا بدون أبٍ رُوحِيّ، أيْ بدون مُرشِدٍ خبير ليس له مصلحة ويَسعى إلى ِخَيرِهِ الحَقيقِيّ. مِن الطبيعيّ أن يكون هذا المُرشِد كاهنًا أو راهِبًا. فَهُم، قبلَ كُلِّ شَخصٍ آخَـر، مَن يتلقّون من الله رسالةَ توجيهِ النفوس، ولذلك فهُم مُزَوَّدون بِنِعمةِ الحالة لأجل معرفة مشيئةِ الله. توجد أفكارٌ خاطئة، ومُبالغات، وأوهام! مِن الضرورِيّ وجودُ مُرشِدٍ لِيُسقِطَ هذه الأشباح ويُشَتِّت تلكَ الغيوم التي تبدو لنا عَواصفَ ولكنّها ليست سِوَى فُـقاعاتِ صابونٍ.

Comments are closed.